قَوْله : ( أَيّ النَّاس أَفْضَل ؟ فَقَالَ : رَجُل يُجَاهِد فِي سَبِيل اللَّه بِمَالِهِ وَنَفْسه ) قَالَ الْقَاضِي : هَذَا عَامّ مَخْصُوص وَتَقْدِيره : هَذَا مِنْ أَفْضَل النَّاس. وَإِلَّا فَالْعُلَمَاء أَفْضَل , وَكَذَا الصِّدِّيقُونَ كَمَا جَاءَتْ بِهِ الْأَحَادِيث. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ثُمَّ مُؤْمِن فِي شُعَب مِنْ الشِّعَاب يَعْبُد رَبّه وَيَدَع النَّاس مِنْ شَرّه ) فِيهِ : دَلِيل لِمَنْ قَالَ بِتَفْضِيلِ الْعُزْلَة عَلَى الِاخْتِلَاط , وَفِي ذَلِكَ خِلَاف مَشْهُور , فَمَذْهَب الشَّافِعِيّ وَأَكْثَر الْعُلَمَاء أَنَّ الِاخْتِلَاط أَفْضَل بِشَرْطِ رَجَاء السَّلَامَة مِنْ الْفِتَن , وَمَذْهَب طَوَائِف : أَنَّ الِاعْتِزَال أَفْضَل , وَأَجَابَ الْجُمْهُور عَنْ هَذَا الْحَدِيث بِأَنَّهُ مَحْمُول عَلَى الِاعْتِزَال فِي زَمَن الْفِتَن وَالْحُرُوب , أَوْ هُوَ فِيمَنْ لَا يَسْلَم النَّاس مِنْهُ , وَلَا يَصْبِر عَلَيْهِمْ , أَوْ نَحْو ذَلِكَ مِنْ الْخُصُوص , وَقَدْ كَانَتْ الْأَنْبِيَاء صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِمْ وَجَمَاهِير الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَالْعُلَمَاء وَالزُّهَّاد مُخْتَلِطِينَ , فَيُحَصِّلُونَ مَنَافِع الِاخْتِلَاط كَشُهُودِ الْجُمُعَة وَالْجَمَاعَة وَالْجَنَائِز وَعِيَادَة الْمَرْضَى وَحِلَق الذِّكْر وَغَيْر ذَلِكَ. وَأَمَّا ( الشِّعْب ) : فَهُوَ مَا اِنْفَرَاج بَيْن جَبَلَيْنِ , وَلَيْسَ الْمُرَاد نَفْس الشِّعْب خُصُوصًا ; بَلْ الْمُرَاد الِانْفِرَاد وَالِاعْتِزَال , وَذَكَرَ الشِّعْب مِثَالًا لِأَنَّهُ خَالٍ عَنْ النَّاس غَالِبًا. وَهَذَا الْحَدِيث نَحْو الْحَدِيث الْآخَر حِين سُئِلَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ النَّجَاة فَقَالَ : " أَمْسِكْ عَلَيْك لِسَانك وَلْيَسَعْك بَيْتك وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتك ".