قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا حَقّ اِمْرِئٍ مُسْلِم لَهُ شَيْء يُرِيد أَنْ يُوصِي فِيهِ يَبِيت لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّته مَكْتُوبَة عِنْده ) وَفِي رِوَايَة : ( ثَلَاث لَيَالٍ ) فِيهِ : الْحَثّ عَلَى الْوَصِيَّة , وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْأَمْر بِهَا , لَكِنَّ مَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْجَمَاهِير أَنَّهَا مَنْدُوبَة لَا وَاجِبَة , وَقَالَ دَاوُدُ وَغَيْره مِنْ أَهْل الظَّاهِر : هِيَ وَاجِبَة ; لِهَذَا الْحَدِيث , وَلَا دَلَالَة لَهُمْ فِيهِ , فَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيح بِإِيجَابِهَا , لَكِنْ إِنْ كَانَ عَلَى الْإِنْسَان دَيْن أَوْ حَقّ أَوْ عِنْده وَدِيعَة وَنَحْوهَا لَزِمَهُ الْإِيصَاء بِذَلِكَ , قَالَ الشَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّه : مَعْنَى الْحَدِيث مَا الْحَزْم وَالِاحْتِيَاط لِلْمُسْلِمِ إِلَّا أَنْ تَكُون وَصِيَّته مَكْتُوبَة عِنْده , وَيُسْتَحَبّ تَعْجِيلهَا , وَأَنْ يَكْتُبهَا فِي صِحَّته , وَيُشْهِد عَلَيْهِ فِيهَا , وَيَكْتُب فِيهَا مَا يَحْتَاج إِلَيْهِ , فَإِنْ تَجَدَّدَ لَهُ أَمْر يَحْتَاج إِلَى الْوَصِيَّة بِهِ أَلْحَقَهُ بِهَا , قَالُوا : وَلَا يُكَلَّف أَنْ يَكْتُب كُلّ يَوْم مُحَقَّرَات الْمُعَامَلَات وَجُزْئِيَّات الْأُمُور الْمُتَكَرِّرَة. وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( وَوَصِيَّته مَكْتُوبَة عِنْده ) فَمَعْنَاهُ : مَكْتُوبَة , وَقَدْ أَشْهَدَ عَلَيْهِ بِهَا لَا أَنَّهُ يَقْتَصِر عَلَى الْكِتَابَة , بَلْ لَا يَعْمَل بِهَا وَلَا تَنْفَع إِلَّا إِذَا كَانَ أَشْهَدَ عَلَيْهِ بِهَا , هَذَا مَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْجُمْهُور , وَقَالَ الْإِمَام مُحَمَّد بْن نَصْر الْمَرْوَزِيُّ مِنْ أَصْحَابنَا : يَكْفِي الْكِتَاب مِنْ غَيْر إِشْهَاد ; لِظَاهِرِ الْحَدِيث. وَاللَّهُ أَعْلَم.