قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( عُذِّبَتْ اِمْرَأَة فِي هِرَّة سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ , فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّار , لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَسَقَتْهَا إِذْ حَبَسَتْهَا , وَلَا هِيَ تَرَكْتهَا تَأْكُل مِنْ خَشَاش الْأَرْض ) وَفِي رِوَايَة ( رَبَطَتْهَا ) وَفِي رِوَايَة ( تَأْكُل مِنْ حَشَرَات الْأَرْض ). مَعْنَاهُ عُذِّبَتْ بِسَبَبِ هِرَّة. وَمَعْنَى ( دَخَلْت فِيهَا ) أَيْ بِسَبَبِهَا. وَ ( خَشَاش الْأَرْض ) بِفَتْحِ الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكَسْرهَا وَضَمّهَا حَكَاهُنَّ فِي الْمَشَارِق , الْفَتْح أَشْهَر , وَرُوِيَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة , وَالصَّوَاب الْمُعْجَمَة , وَهِيَ هَوَامّ الْأَرْض وَحَشَرَاتهَا كَمَا وَقَعَ فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة. وَقِيلَ : الْمُرَاد بِهِ نَبَات الْأَرْض , وَهُوَ ضَعِيف أَوْ غَلَط. وَفِي الْحَدِيث دَلِيل لِتَحْرِيمِ قَتْل الْهِرَّة , وَتَحْرِيم حَبْسهَا بِغَيْرِ طَعَام أَوْ شَرَاب. وَأَمَّا دُخُولهَا النَّار بِسَبَبِهَا فَظَاهِر الْحَدِيث أَنَّهَا كَانَتْ مُسْلِمَة , وَإِنَّمَا دَخَلَتْ النَّار بِسَبَبِ الْهِرَّة. وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ يَجُوز أَنَّهَا كَافِرَة عُذِّبَتْ بِكُفْرِهَا , وَزِيدَ فِي عَذَابهَا بِسَبَبِ الْهِرَّة , وَاسْتَحَقَّتْ ذَلِكَ لِكَوْنِهَا لَيْسَتْ مُؤْمِنَة تُغْفَر صَغَائِرهَا بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِر. هَذَا كَلَام الْقَاضِي , وَالصَّوَاب مَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّهَا كَانَتْ مُسْلِمَة , وَأَنَّهَا دَخَلَتْ النَّار بِسَبَبِهَا كَمَا هُوَ ظَاهِر الْحَدِيث , وَهَذِهِ الْمَعْصِيَة لَيْسَتْ صَغِيرَة , بَلْ صَارَتْ بِإِصْرَارِهَا كَبِيرَة , وَلَيْسَ فِي الْحَدِيث أَنَّهَا تَخْلُد فِي النَّار , وَفِيهِ وُجُوب نَفَقَة الْحَيَوَان عَلَى مَالِكه. وَاللَّهُ أَعْلَم.