Ir al contenido

Comentario clásico de Sahih Muslim 1827

An-Nawawi — Sharh Sahih Muslim

قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْد اللَّه عَلَى مَنَابِر مِنْ نُور عَنْ يَمِين الرَّحْمَن , وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِين , الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمهمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا ) أَمَّا

قَوْله : ( وَلُوا ) فَبِفَتْحِ الْوَاو وَضَمّ اللَّام الْمُخَفَّفَة , أَيْ كَانَتْ لَهُمْ عَلَيْهِ وِلَايَة , وَالْمُقْسِطُونَ هُمْ الْعَادِلُونَ , وَقَدْ فَسَّرَهُ فِي آخِر الْحَدِيث , وَالْإِقْسَاط وَالْقِسْط بِكَسْرِ الْقَاف الْعَدْل , يُقَال : أَقْسَطَ إِقْسَاطًا فَهُوَ مُقْسِط إِذَا عَدَلَ , قَالَ اللَّه تَعَالَى : { وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّه يُحِبّ الْمُقْسِطِينَ } وَيُقَال : يَقْسِط - بِفَتْحِ الْيَاء وَكَسْر السِّين - قُسُوطًا وَقَسْطًا - بِفَتْحِ الْقَاف - فَهُوَ قَاسِط , وَهُمْ قَاسِطُونَ : إِذَا جَارُوا , قَالَ اللَّه تَعَالَى : { وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا } وَأَمَّا الْمَنَابِر فَجَمْع مِنْبَر سُمِّيَ بِهِ لِارْتِفَاعِهِ , قَالَ الْقَاضِي : يَحْتَمِل أَنْ يَكُونُوا عَلَى مَنَابِر حَقِيقِيَّة , عَلَى ظَاهِر الْحَدِيث , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون كِنَايَة عَنْ الْمَنَازِل الرَّفِيعَة , قُلْت : الظَّاهِر الْأَوَّل , وَيَكُون مُتَضَمِّنًا لِلْمَنَازِلِ الرَّفِيعَة فَهُمْ عَلَى مَنَابِر حَقِيقِيَّة وَمَنَازِلهمْ رَفِيعَة , أَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( عَنْ يَمِين الرَّحْمَن ) فَهُوَ مِنْ أَحَادِيث الصِّفَات , وَقَدْ سَبَقَ فِي أَوَّل هَذَا الشَّرْح بَيَان اِخْتِلَاف الْعُلَمَاء فِيهَا , وَأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ نُؤْمِن بِهَا وَلَا نَتَكَلَّم فِي تَأْوِيله , وَلَا نَعْرِف مَعْنَاهُ , لَكِنْ نَعْتَقِد أَنَّ ظَاهِرهَا غَيْر مُرَاد , وَأَنَّ لَهَا مَعْنًى يَلِيق بِاَللَّهِ تَعَالَى , وَهَذَا مَذْهَب جَمَاهِير السَّلَف وَطَوَائِف مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ. وَالثَّانِي أَنَّهَا تُؤَوَّل عَلَى مَا يَلِيق بِهَا , وَهَذَا قَوْل أَكْثَر الْمُتَكَلِّمِينَ , وَعَلَى هَذَا قَالَ الْقَاضِي عِيَاض - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - : الْمُرَاد بِكَوْنِهِمْ عَنْ الْيَمِين الْحَالَة الْحَسَنَة وَالْمَنْزِلَة الرَّفِيعَة , قَالَ : قَالَ اِبْن عَرَفَة : يُقَال : أَتَاهُ عَنْ يَمِينه إِذَا جَاءَهُ مِنْ الْجِهَة الْمَحْمُودَة , وَالْعَرَب تَنْسِب الْفِعْل الْمَحْمُود وَالْإِحْسَان إِلَى الْيَمِين , وَضِدّه إِلَى الْيَسَار. قَالُوا : وَالْيَمِين مَأْخُوذ مِنْ الْيُمْن. وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِين ) فَتَنْبِيه عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَاد بِالْيَمِينِ جَارِحَة - تَعَالَى اللَّه عَنْ ذَلِكَ - فَإِنَّهَا مُسْتَحِيلَة فِي حَقّه سُبْحَانه وَتَعَالَى , وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمه وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا ) فَمَعْنَاهُ : أَنَّ هَذَا الْفَضْل إِنَّمَا هُوَ لِمَنْ عَدَلَ فِيمَا تَقَلَّدَهُ مِنْ خِلَافَة أَوْ إِمَارَة أَوْ قَضَاء أَوْ حِسْبَة أَوْ نَظَر عَلَى يَتِيم أَوْ صَدَقَة أَوْ وَقْف , وَفِيمَا يَلْزَمهُ مِنْ حُقُوق أَهْله وَعِيَاله وَنَحْو ذَلِكَ. وَاَللَّه أَعْلَم.

Volver al hadiz

lunes, 12 de octubre de 2026 1 جمادى الأولى 1448 هـ