قَوْله : ( إِسْمَاعِيل بْن عَبْد اللَّه ) هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْس الَّذِي رَوَى عَنْهُ حَدِيث أَبِي سَعِيد وَقَوْله " حَدَّثَنِي أَخِي " هُوَ أَبُو بَكْر عَبْد الْحَمِيد , وَسُلَيْمَان هُوَ اِبْن بِلَال , وَيَحْيَى بْن سَعِيد هُوَ الْأَنْصَارِيّ. فَإِسْمَاعِيل فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد يَرْوِي عَنْ سُلَيْمَان بْن بِلَال بِغَيْرِ وَاسِطَة , وَفِي حَدِيث عَائِشَة هَذَا يَرْوِي عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ , وَقَدْ تَكَرَّرَ لَهُ هَذَا فِي عِدَّة أَحَادِيث , وَذَلِكَ يُرْشِد إِلَى أَنَّهُ كَانَ لَا يُدَلِّس.
قَوْله : ( الضَّحِيَّة ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْر الْحَاء الْمُهْمَلَة.
قَوْله : ( نُمَلِّح مِنْهُ ) أَيْ مِنْ لَحْم الْأُضْحِيَّة , فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ " مِنْهَا " أَيْ مِنْ الْأُضْحِيَّةِ.
قَوْله : ( فَنَقْدَم ) بِسُكُونِ الْقَاف وَفَتْح الدَّال مِنْ الْقُدُوم وَفِي رِوَايَة بِفَتْحِ الْقَاف وَتَشْدِيد الدَّال أَيْ نَضَعهُ بَيْن يَدَيْهِ وَهُوَ أَوْجه.
قَوْله : ( فَقَالَ : لَا تَأْكُلُوا ) أَيْ مِنْهُ , هَذَا صَرِيح فِي النَّهْي عَنْهُ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق عَابِس بْن رَبِيعَة عَنْ عَائِشَة أَنَّهَا سُئِلَتْ : أَكَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ لُحُوم الْأَضَاحِيّ ؟ فَقَالَتْ : لَا. وَالْجَمْع بَيْنهمَا أَنَّهَا نَفَتْ نَهْي التَّحْرِيم لَا مُطْلَق النَّهْي , , وَيُؤَيِّدهُ قَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة " وَلَيْسَتْ بِعَزِيمَةٍ ".
قَوْله : ( وَلَيْسَتْ بِعَزِيمَةٍ , وَلَكِنْ أَرَادَ أَنْ نُطْعِم مِنْهُ ) بِضَمِّ النُّون وَسُكُون الطَّاء أَيْ نُطْعِم غَيْرنَا قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ بَعْد أَنْ أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيث عَنْ عَلِيّ بْن الْعَبَّاس عَنْ الْبُخَارِيّ بِسَنَدِهِ إِلَى قَوْله " بِالْمَدِينَةِ " : كَأَنَّ الزِّيَادَة مِنْ قَوْله بِالْمَدِينَةِ إِلَخْ مِنْ كَلَام يَحْيَى بْن سَعِيد. قُلْت : بَلْ هُوَ مِنْ جُمْلَة الْحَدِيث فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الْبُخَارِيّ بِتَمَامِهِ , وَتَقَدَّمَ فِي الْأَطْعِمَة مِنْ طَرِيق عَابِس بْن رَبِيعَة " قُلْت لِعَائِشَة أَنَهَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُؤْكَل مِنْ لُحُوم الْأَضَاحِيّ فَوْق ثَلَاث ؟ قَالَتْ : مَا فَعَلَهُ إِلَّا فِي عَام جَاعَ النَّاس فِيهِ , فَأَرَادَ أَنْ يُطْعِم الْغَنِيّ الْفَقِير " وَلِلطَّحَاوِيّ مِنْ هَذَا الْوَجْه " أَكَانَ يُحَرِّم لُحُوم الْأَضَاحِيّ فَوْق ثَلَاث ؟ قَالَتْ : لَا , وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُضَحِّي مِنْهُمْ إِلَّا الْقَلِيل , فَفَعَلَ لِيُطْعِم مَنْ ضَحَّى مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُضَحِّ " وَفِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر بْن حَزْم عَنْ عَمْرَة " إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْل الدَّافَّة الَّتِي دَفَّتْ , فَكُلُوا وَتَصَدَّقُوا وَادَّخِرُوا " وَأَوَّل الْحَدِيث عِنْد مُسْلِم " دَفَّ نَاس مِنْ أَهْل الْبَادِيَة حَضْرَة الْأَضْحَى فِي زَمَان رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : اِدَّخِرُوا لِثَلَاثٍ , وَتَصَدَّقُوا بِمَا بَقِيَ " فَلَمَّا كَانَ بَعْد ذَلِكَ قِيلَ : يَا رَسُول اللَّه لَقَدْ كَانَ النَّاس يَنْتَفِعُونَ مِنْ ضَحَايَاهُمْ فَقَالَ " إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْل الدَّافَّة الَّتِي دَفَّتْ , فَكُلُوا وَتَصَدَّقُوا وَادَّخِرُوا " قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الدَّفّ يَعْنِي بِالْمُهْمَلَةِ وَالْفَاء الثَّقِيلَة السَّيْر السَّرِيع , وَالدَّافَّة مَنْ يَطْرَأ مِنْ الْمُحْتَاجِينَ , وَاسْتُدِلَّ بِإِطْلَاقِ هَذِهِ الْأَحَادِيث عَلَى أَنَّهُ لَا تَقْيِيد فِي الْقَدْر الَّذِي يَجْزِي مِنْ الْإِطْعَام , وَيُسْتَحَبّ لِلْمُضَحِّي أَنْ يَأْكُل مِنْ الْأُضْحِيَّة شَيْئًا وَيُطْعِم الْبَاقِي صَدَقَة وَهَدِيَّة. وَعَنْ الشَّافِعِيّ : يُسْتَحَبّ قِسْمَتهَا أَثْلَاثًا لِقَوْلِهِ " كُلُوا وَتَصَدَّقُوا وَأَطْعِمُوا " قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : وَكَانَ غَيْره يَقُول : يُسْتَحَبّ أَنْ يَأْكُل النِّصْف وَيُطْعِم النِّصْف. وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخ فِي " كِتَاب الْأَضَاحِيّ " مِنْ طَرِيق عَطَاء بْن يَسَار عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ " مَنْ ضَحَّى فَلْيَأْكُل مِنْ أُضْحِيَّته " وَرِجَاله ثِقَات لَكِنْ قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ : الصَّوَاب عَنْ عَطَاء مُرْسَل. قَالَ النَّوَوِيّ : مَذْهَب الْجُمْهُور أَنَّهُ لَا يَجِب الْأَكْل مِنْ الْأُضْحِيَّة , وَإِنَّمَا الْأَمْر فِيهِ لِلْإِذْنِ. وَذَهَبَ بَعْض السَّلَف إِلَى الْأَخْذ بِظَاهِرِ الْأَمْر , وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيّ عَنْ أَبِي الطَّيِّب بْن سَلَمَة مِنْ الشَّافِعِيَّة. وَأَمَّا الصَّدَقَة مِنْهَا فَالصَّحِيح أَنَّهُ يَجِب التَّصَدُّق مِنْ الْأُضْحِيَّة بِمَا يَقَع عَلَيْهِ الِاسْم , وَالْأَكْمَل أَنْ يَتَصَدَّق بِمُعْظَمِهَا.