قَوْله : ( اِحْتَجَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُجَيْرَة بِخَصَفَةٍ أَوْ حَصِير فَصَلَّى فِيهَا ) ( فَالْحُجَيْرَة ) - بِضَمِّ الْحَاء - تَصْغِير حُجْرَة , وَالْخَصَفَة وَالْحَصِير بِمَعْنًى , شَكَّ الرَّاوِي فِي الْمَذْكُورَة مِنْهُمَا , وَمَعْنَى اِحْتَجَرَ حُجْرَة أَيْ : حَوَّطَ مَوْضِعًا مِنْ الْمَسْجِد بِحَصِيرٍ لِيَسْتُرهُ لِيُصَلِّيَ فِيهِ , وَلَا يَمُرّ بَيْن يَدَيْهِ مَارّ , وَلَا يَتَهَوَّش بِغَيْرِهِ , وَيَتَوَفَّر خُشُوعه وَفَرَاغ قَلْبه. وَفِيهِ : جَوَاز مِثْل هَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَضْيِيق عَلَى الْمُصَلِّينَ وَنَحْوهمْ , وَلَمْ يَتَّخِذهُ دَائِمًا ; لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَحْتَجِرهَا بِاللَّيْلِ يُصَلِّي فِيهَا , وَيُنَحِّهَا بِالنَّهَارِ وَيَبْسُطهَا. كَمَا ذَكَرَهُ مُسْلِم فِي الرِّوَايَة الَّتِي بَعْد هَذِهِ , ثُمَّ تَرَكَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار وَعَادَ إِلَى الصَّلَاة فِي الْبَيْت. وَفِيهِ : جَوَاز النَّافِلَة فِي الْمَسْجِد. وَفِيهِ : جَوَاز الْجَمَاعَة فِي غَيْر الْمَكْتُوبَة , وَجَوَاز الِاقْتِدَاء بِمِنْ لَمْ يَنْوِ الْإِمَامَة. وَفِيهِ : تَرْك بَعْض الْمَصَالِح لِخَوْفِ مَفْسَدَة أَعْظَم مِنْ ذَلِكَ. وَفِيهِ : بَيَان مَا كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ مِنْ الشَّفَقَة عَلَى أُمَّته وَمُرَاعَاة مَصَالِحهمْ , وَأَنَّهُ يَنْبَغِي لِوُلَاةِ الْأُمُور وَكِبَار النَّاس وَالْمَتْبُوعِينَ - فِي عِلْم وَغَيْره - الِاقْتِدَاء بِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ.
قَوْله : ( فَتَتَبَّعَ إِلَيْهِ رِجَال ) هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ , وَكَذَا هُوَ فِي النُّسَخ , وَأَصْل التَّتَبُّع الطَّلَب , وَمَعْنَاهُ هُنَا طَلَبُوا مَوْضِعه وَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ. قَوْله " وَحَصَبُوا الْبَاب " أَيْ رَمَوْهُ بِالْحَصْبَاءِ , وَهِيَ الْحَصَى الصِّغَار تَنْبِيهًا لَهُ وَظَنُّوا أَنَّهُ نَسِيَ. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَإِنَّ خَيْر صَلَاة الْمَرْء فِي بَيْته إِلَّا الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة ) هَذَا عَامّ فِي جَمِيع النَّوَافِل الْمُرَتَّبَة مَعَ الْفَرَائِض وَالْمُطْلَقَة إِلَّا فِي النَّوَافِل الَّتِي هِيَ مِنْ شَعَائِر الْإِسْلَام , وَهِيَ الْعِيد وَالْكُسُوف وَالِاسْتِسْقَاء وَكَذَا التَّرَاوِيح عَلَى الْأَصَحّ , فَإِنَّهَا مَشْرُوعَة فِي جَمَاعَة فِي الْمَسْجِد , وَالِاسْتِسْقَاء فِي الصَّحْرَاء , وَكَذَا الْعِيد إِذَا ضَاقَ الْمَسْجِد. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.