Ir al contenido

Comentario clásico de Sahih Muslim 1006

An-Nawawi — Sharh Sahih Muslim

قَوْله : ( ذَهَبَ أَهْل الدُّثُور بِالْأُجُورِ ) الدُّثُور بِضَمِّ الدَّال جَمْع دَثْر بِفَتْحِهَا , وَهُوَ الْمَال الْكَثِير. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَوَلَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللَّه لَكُمْ مَا تَصَدَّقُونَ إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً , وَكُلّ تَكْبِيرَة صَدَقَة , وَكُلّ تَحْمِيدَة صَدَقَة , وَكُلّ تَهْلِيلَة صَدَقَة , وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ وَنَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ صَدَقَةٌ ) وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا تَصَدَّقُونَ ) فَالرِّوَايَة فِيهِ بِتَشْدِيدِ الصَّاد وَالدَّال جَمِيعًا , وَيَجُوز فِي اللُّغَة تَخْفِيف الصَّاد. وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَكُلّ تَكْبِيرَة صَدَقَة , وَكُلّ تَحْمِيدَة صَدَقَة وَكُلّ تَهْلِيلَة صَدَقَة ) فَرَوَيْنَاهُ بِوَجْهَيْنِ : رَفْع ( صَدَقَة ) وَنَصْبُهُ , فَالرَّفْع عَلَى الِاسْتِئْنَاف , وَالنَّصْب عَطْف عَلَى أَنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَة صَدَقَة , قَالَ الْقَاضِي : يَحْتَمِل تَسْمِيَتهَا صَدَقَة أَنَّ لَهَا أَجْرًا كَمَا لِلصَّدَقَةِ أَجْر , وَأَنَّ هَذِهِ الطَّاعَات تُمَاثِل الصَّدَقَاتِ فِي الْأُجُور , وَسَمَّاهَا صَدَقَة عَلَى طَرِيق الْمُقَابَلَة وَتَجْنِيس الْكَلَام , وَقِيلَ : مَعْنَاهُ : أَنَّهَا صَدَقَة عَلَى نَفْسه. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَأَمْر بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَة وَنَهْي عَنْ مُنْكَر صَدَقَة ) فِيهِ : إِشَارَة إِلَى ثُبُوت حُكْم الصَّدَقَة فِي كُلّ فَرْد مِنْ أَفْرَاد الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر , وَلِهَذَا نَكَّرَهُ , وَالثَّوَاب فِي الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر أَكْثَر مِنْهُ فِي التَّسْبِيح وَالتَّحْمِيد وَالتَّهْلِيل ; لِأَنَّ الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر فَرْض كِفَايَة , وَقَدْ يَتَعَيَّن وَلَا يُتَصَوَّر وُقُوعه نَفْلًا , وَالتَّسْبِيح وَالتَّحْمِيد وَالتَّهْلِيل نَوَافِل , وَمَعْلُومٌ أَنَّ أَجْر الْفَرْض أَكْثَر مِنْ أَجْر النَّفْل لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : " وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَدَاء مَا اِفْتَرَضْت عَلَيْهِ ". رَوَاهُ الْبُخَارِيّ مِنْ رِوَايَة أَبِي هُرَيْرَة. وَقَدْ قَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ مِنْ أَصْحَابنَا عَنْ بَعْض الْعُلَمَاء : إِنَّ ثَوَاب الْفَرْض يَزِيد عَلَى ثَوَاب النَّافِلَة بِسَبْعِينَ دَرَجَة. وَاسْتَأْنَسُوا فِيهِ بِحَدِيثٍ. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَفِي بُضْع أَحَدكُمْ صَدَقَة ) هُوَ بِضَمِّ الْبَاء , وَيُطْلَق عَلَى الْجِمَاع , وَيُطْلَق عَلَى الْفَرْج نَفْسه , وَكِلَاهُمَا تَصِحّ إِرَادَته هُنَا , وَفِي هَذَا دَلِيل عَلَى أَنَّ الْمُبَاحَات تَصِير طَاعَات بِالنِّيَّاتِ الصَّادِقَات , فَالْجِمَاع يَكُون عِبَادَة إِذَا نَوَى بِهِ قَضَاء حَقّ الزَّوْجَة وَمُعَاشَرَتَهَا بِالْمَعْرُوفِ الَّذِي أَمَرَ اللَّه تَعَالَى بِهِ , أَوْ طَلَبَ وَلَدٍ صَالِحٍ , أَوْ إِعْفَافَ نَفْسِهِ أَوْ إِعْفَاف الزَّوْجَة وَمَنْعَهُمَا جَمِيعًا مِنْ النَّظَر إِلَى حَرَام , أَوْ الْفِكْر فِيهِ , أَوْ الْهَمّ بِهِ , أَوْ غَيْر ذَلِكَ مِنْ الْمَقَاصِد الصَّالِحَة.

قَوْله : ( قَالُوا : يَا رَسُول اللَّه أَيَأْتِي أَحَدنَا شَهْوَته وَيَكُون لَهُ فِيهَا أَجْر ؟ قَالَ : أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَام أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْر , فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَال كَانَ لَهُ أَجْر ) فِيهِ : جَوَاز الْقِيَاس وَهُوَ مَذْهَب الْعُلَمَاء كَافَّة , وَلَمْ يُخَالِف فِيهِ إِلَّا أَهْل الظَّاهِر وَلَا يُعْتَدُّ بِهِمْ. وَأَمَّا الْمَنْقُول عَنْ التَّابِعِينَ وَنَحْوِهِمْ مِنْ ذَمّ الْقِيَاس , فَلَيْسَ الْمُرَاد بِهِ الْقِيَاس الَّذِي يَعْتَمِدُهُ الْفُقَهَاءُ الْمُجْتَهِدُونَ , وَهَذَا الْقِيَاس الْمَذْكُور فِي الْحَدِيث هُوَ مِنْ قِيَاس الْعَكْس , وَاخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فِي الْعَمَل بِهِ. وَهَذَا الْحَدِيث دَلِيل لِمَنْ عَمِلَ بِهِ , وَهُوَ الْأَصَحّ. وَاَللَّه أَعْلَم. وَفِي هَذَا الْحَدِيث فَضِيلَة التَّسْبِيح , وَسَائِر الْأَذْكَار , وَالْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر , وَإِحْضَار النِّيَّة فِي الْمُبَاحَات , وَذَكَرَ الْعَالِم دَلِيلًا لِبَعْضِ الْمَسَائِل الَّتِي تَخْفَى وَتَنْبِيه الْمُفْتَى عَلَى مُخْتَصَر الْأَدِلَّة , وَجَوَاز سُؤَال الْمُسْتَفْتِي عَنْ بَعْض مَا يَخْفَى مِنْ الدَّلِيل إِذَا عَلِمَ مِنْ حَال الْمَسْئُول أَنَّهُ لَا يَكْرَهُ ذَلِكَ , وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ سُوء أَدَب. وَاَللَّه أَعْلَم. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَال كَانَ لَهُ أَجْر ) ضَبَطْنَا ( أَجْرًا ) بِالنَّصْبِ وَالرَّفْع وَهُمَا ظَاهِرَانِ.

Volver al hadiz

lunes, 12 de octubre de 2026 1 جمادى الأولى 1448 هـ