Ir al contenido

Comentario clásico de Sahih al-Bujari 6507

Ibn Hayar al-Asqalani — Fath al-Bari

قَوْله ( حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ) هُوَ اِبْن الْمِنْهَالِ الْبَصْرِيّ وَهُوَ مِنْ كِبَار شُيُوخ الْبُخَارِيِّ وَقَدْ رَوَى عَنْ هَمَّامٍ أَيْضًا حَجَّاج بْن مُحَمَّد الْمِصِّيصِيّ لَكِنْ لَمْ يُدْرِكْهُ الْبُخَارِيُّ. قَوْله ( عَنْ قَتَادَةَ ) لِهَمَّامٍ فِيهِ إِسْنَادٌ آخَر أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ عَفَّان عَنْ هَمَّام عَنْ عَطَاء بْن السَّائِب عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى " حَدَّثَنِي فُلَانُ اِبْنُ فُلَانٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ بِمَعْنَاهُ وَسَنَدُهُ قَوِيٌّ وَإِبْهَامُ الصَّحَابِيِّ لَا يَضُرُّ وَلَيْسَ ذَلِكَ اِخْتِلَافًا عَلَى هَمَّامٍ فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ عَفَّان عَنْ هَمَّامٍ عَنْ قَتَادَةَ.

قَوْله : ( عَنْ أَنَسٍ ) فِي رِوَايَة شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ " سَمِعْت أَنَسًا " وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي الرِّوَايَة الْمُعَلَّقَةِ.

قَوْله : ( عَنْ عُبَادَةَ بْن الصَّامِت ) قَدْ رَوَاهُ حُمَيْدٌ عَنْ أَنَس عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالنَّسَائِيُّ وَالْبَزَّار مِنْ طَرِيقه. وَذَكَرَ الْبَزَّارُ أَنَّهُ تَفَرَّدَ بِهِ فَإِنْ أَرَادَ مُطْلَقًا وَرَدَتْ عَلَيْهِ رِوَايَةُ قَتَادَةَ وَإِنْ أَرَادَ بِقَيْدِ كَوْنِهِ جَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدِ أَنَسٍ سُلِّمَ. قَوْله ( مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ ) قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : لَيْسَ الشَّرْطُ سَبَبًا لِلْجَزَاءِ بَلْ الْأَمْرُ بِالْعَكْسِ وَلَكِنَّهُ عَلَى تَأْوِيل الْخَبَر أَيْ مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَخْبَرَهُ بِأَنْ أَحَبَّ لِقَاءَهُ وَكَذَا الْكَرَاهَةُ وَقَالَ غَيْره فِيمَا نَقَلَهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ وَغَيْره " مَنْ " هُنَا خَبَرِيَّةٌ وَلَيْسَتْ شَرْطِيَّةً فَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ سَبَب حُبِّ اللَّهِ لِقَاءَ الْعَبْدِ حُبُّ الْعَبْدِ لِقَاءَهُ وَلَا الْكَرَاهَة وَلَكِنَّهُ صِفَة حَال الطَّائِفَتَيْنِ فِي أَنْفُسهمْ عِنْد رَبِّهِمْ وَالتَّقْدِير مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ فَهُوَ الَّذِي أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ وَكَذَا الْكَرَاهَة. قُلْت : وَلَا حَاجَةَ إِلَى دَعْوَى نَفْي الشَّرْطِيَّةِ فَسَيَأْتِي فِي التَّوْحِيدِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ " قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ إِذَا أَحَبَّ عَبْدِي لِقَائِي أَحْبَبْت لِقَاءَهُ " الْحَدِيثَ فَيُعَيِّنُ أَنَّ " مَنْ " فِي حَدِيث الْبَاب شَرْطِيَّةٌ وَتَأْوِيلُهَا مَا سَبَقَ وَفِي قَوْله " أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ " الْعُدُولُ عَنْ الضَّمِيرِ إِلَى الظَّاهِرِ تَفْخِيمًا وَتَعْظِيمًا وَدَفْعًا لِتَوَهُّمِ عَوْدِ الضَّمِيرِ عَلَى الْمَوْصُولِ لِئَلَّا يَتَّحِدَ فِي الصُّورَةِ الْمُبْتَدَأُ وَالْخَبَرُ فَفِيهِ إِصْلَاحُ اللَّفْظِ لِتَصْحِيحِ الْمَعْنَى وَأَيْضًا فَعَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَى الْمُضَاف إِلَيْهِ قَلِيل. وَقَرَأْت بِخَطِّ اِبْن الصَّائِغ فِي " شَرْح الْمَشَارِقِ " يَحْتَمِل أَنْ يَكُون لِقَاء اللَّه مُضَافًا لِلْمَفْعُولِ فَأَقَامَهُ مَقَام الْفَاعِل وَلِقَاءَهُ إِمَّا مُضَاف لِلْمَفْعُولِ أَوْ لِلْفَاعِلِ الضَّمِير أَوْ لِلْمَوْصُولِ لِأَنَّ الْجَوَاب إِذَا كَانَ شَرْطًا فَالْأَوْلَى أَنْ يَكُون فِيهِ ضَمِير نَعَمْ هُوَ مَوْجُودٌ هُنَا وَلَكِنْ تَقْدِيرًا. قَوْله ( وَمَنْ كَرِهَ لِقَاء اللَّه كَرِهَ اللَّه لِقَاءَهُ ) قَالَ الْمَازِرِيُّ : مَنْ قَضَى اللَّه بِمَوْتِهِ لَا بُدّ أَنْ يَمُوت وَإِنْ كَانَ كَارِهًا لِلِقَاءِ اللَّهِ وَلَوْ كَرِهَ اللَّهُ مَوْتَهُ لَمَا مَاتَ فَيُحْمَلُ الْحَدِيثُ عَلَى كَرَاهَتِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْغُفْرَانَ لَهُ وَإِرَادَتِهِ لِإِبْعَادِهِ مِنْ رَحْمَتِهِ. قُلْت : وَلَا اِخْتِصَاصَ لِهَذَا الْبَحْثِ بِهَذَا الشِّقِّ فَإِنَّهُ يَأْتِي مِثْلُهُ فِي الشِّقِّ الْأَوَّلِ كَأَنْ يُقَالَ مَثَلًا مَنْ قَضَى اللَّهُ بِامْتِدَادِ حَيَاتِهِ لَا يَمُوتُ وَلَوْ كَانَ مُحِبًّا لِلْمَوْتِ إِلَخْ. قَوْله ( قَالَتْ عَائِشَة أَوْ بَعْض أَزْوَاجه ) كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَة بِالشَّكِّ وَجَزَمَ سَعْد بْن هِشَام فِي رِوَايَته عَنْ عَائِشَة بِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي قَالَتْ ذَلِكَ وَلَمْ يَتَرَدَّدْ وَهَذِهِ الزِّيَادَة فِي هَذَا الْحَدِيث لَا تَظْهَرُ صَرِيحًا هَلْ هِيَ مِنْ كَلَامِ عُبَادَةَ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ سَمِعَ الْحَدِيث مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَمِعَ مُرَاجَعَةَ عَائِشَةَ أَوْ مِنْ كَلَام أَنَس بِأَنْ يَكُون حَضَرَ ذَلِكَ فَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة حُمَيْدٍ الَّتِي أَشَرْت إِلَيْهَا بِلَفْظِ " فَقُلْنَا يَا رَسُول اللَّه " فَيَكُون أَسْنَدَ الْقَوْل إِلَى جَمَاعَة وَإِنْ كَانَ الْمُبَاشِرُ لَهُ وَاحِدًا وَهِيَ عَائِشَة وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى الَّتِي أَشَرْت إِلَيْهَا وَفِيهَا " فَأَكَبَّ الْقَوْمُ يَبْكُونَ وَقَالُوا : إِنَّا نَكْرَه الْمَوْت قَالَ : لَيْسَ ذَلِكَ " وَلِابْنِ أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيق أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة نَحْو حَدِيث الْبَاب وَفِيهِ " قِيلَ يَا رَسُول اللَّه مَا مِنَّا مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَهُوَ يَكْرَهُ الْمَوْتَ فَقَالَ : إِذَا كَانَ ذَلِكَ كُشِفَ لَهُ " وَيَحْتَمِل أَيْضًا أَنْ يَكُون مِنْ كَلَام قَتَادَةَ أَرْسَلَهُ فِي رِوَايَة هَمَّام وَوَصَلَهُ فِي رِوَايَة سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَةَ عَنْهُ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ سَعْد بْن هِشَام عَنْ عَائِشَة فَيَكُون فِي رِوَايَة هَمَّام إِدْرَاجٌ وَهَذَا أَرْجَحُ فِي نَظَرِي فَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ هَدَّاب بْن خَالِد عَنْ هَمَّام مُقْتَصَرًا عَلَى أَصْل الْحَدِيث دُون قَوْله " فَقَالَتْ عَائِشَة إِلَخْ " ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَة سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة مَوْصُولًا تَامًّا وَكَذَا أَخْرَجَهُ هُوَ وَأَحْمَد مِنْ رِوَايَة شُعْبَة وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَة سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ وَكَذَا جَاءَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَغَيْر وَاحِد مِنْ الصَّحَابَة بِدُونِ الْمُرَاجَعَة وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْحَسَن بْن سُفْيَان وَأَبُو يَعْلَى جَمِيعًا عَنْ هُدْبَةَ بْن خَالِد عَنْ هَمَّام تَامًّا كَمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ عَنْ حَجَّاجٍ عَنْ هَمَّام وَهُدْبَة هُوَ هَدَّاب شَيْخ مُسْلِمٍ فَكَأَنَّ مُسْلِمًا حَذَفَ الزِّيَادَة عَمْدًا لِكَوْنِهَا مُرْسَلَةً مِنْ هَذَا الْوَجْه وَاكْتَفَى بِإِيرَادِهَا مَوْصُولَةً مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة وَقَدْ رَمَزَ الْبُخَارِيُّ إِلَى ذَلِكَ حَيْثُ عَلَّقَ رِوَايَة شُعْبَة بِقَوْلِهِ اِخْتَصَرَهُ إِلَخْ وَكَذَا أَشَارَ إِلَى رِوَايَة سَعِيد تَعْلِيقًا وَهَذَا مِنْ الْعِلَل الْخَفِيَّةِ جِدًّا. قَوْله ( إِنَّا لَنَكْرَهُ الْمَوْتَ ) فِي رِوَايَة سَعْد بْن هِشَام " فَقَالَتْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَكَرَاهَةُ الْمَوْتِ ؟ فَكُلُّنَا نَكْرَهُ الْمَوْتَ ". قَوْله ( بَشِّرْ بِرِضْوَانِ اللَّه وَكَرَامَته ) فِي رِوَايَة سَعْد بْن هِشَام " بَشِّرْ بِرَحْمَةِ اللَّه وَرِضْوَانه وَجَنَّتِهِ " وَفِي حَدِيث حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس " وَلَكِنَّ الْمُؤْمِن إِذَا حُضِرَ جَاءَهُ الْبَشِيرُ مِنْ اللَّه وَلَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَكُون قَدْ لَقِيَ اللَّه فَأَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ " وَفِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى " وَلَكِنَّهُ إِذَا حَضَرَ فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ فَإِذَا بُشِّرَ بِذَلِكَ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ وَاَللَّهُ لِلِقَائِهِ أَحَبُّ ". قَوْله ( فَلَيْسَ شَيْء أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ أَيْ مَا يَسْتَقْبِلُهُ بَعْد الْمَوْت وَقَدْ وَقَعَتْ هَذِهِ الْمُرَاجَعَةُ مِنْ عَائِشَة لِبَعْضِ التَّابِعِينَ فَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق شُرَيْح بْن هَانِئٍ قَالَ سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَة فَذَكَرَ أَصْلَ الْحَدِيث قَالَ " فَأَتَيْت عَائِشَة فَقُلْت سَمِعْت حَدِيثًا إِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَقَدْ هَلَكْنَا " فَذَكَرَهُ قَالَ " وَلَيْسَ مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا وَهُوَ يَكْرَهُ الْمَوْتَ فَقَالَتْ : لَيْسَ بِاَلَّذِي تَذْهَبُ إِلَيْهِ وَلَكِنْ إِذَا شَخَصَ الْبَصَرُ - بِفَتْحِ الشِّينِ وَالْخَاءِ الْمُعْجَمَتَيْنِ وَآخِره مُهْمَلَة أَيْ فَتَحَ الْمُخْتَضِرُ عَيْنَيْهِ إِلَى فَوْق فَلَمْ يَطْرِفْ - وَحَشْرَجَ الصَّدْرُ - بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَة بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ وَآخِره جِيم أَيْ تَرَدَّدَتْ الرُّوحُ فِي الصَّدْرِ - وَاقْشَعَرَّ الْجِلْدُ وَتَشَنَّجَتْ " بِالشِّينِ الْمُعْجَمَة وَالنُّون الثَّقِيلَةِ وَالْجِيمِ أَيْ تَقَبَّضَتْ وَهَذِهِ الْأُمُورُ هِيَ حَالَة الْمُخْتَضِر وَكَأَنَّ عَائِشَة أَخَذَتْهُ مِنْ مَعْنَى الْخَبَرِ الَّذِي رَوَاهُ عَنْهَا سَعْد بْن هِشَام مَرْفُوعًا وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا عَنْ شُرَيْح بْن هَانِئ عَنْ عَائِشَة مِثْل رِوَايَته عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَزَادَ فِي آخِره " وَالْمَوْت دُونَ لِقَاءِ اللَّهِ " وَهَذِهِ الزِّيَادَة مِنْ كَلَامِ عَائِشَةِ فِيمَا يَظْهَرُ لِي ذَكَرَتْهَا اِسْتِنْبَاطًا مِمَّا تَقَدَّمَ وَعِنْد عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ مِنْ وَجْهٍ آخَر عَنْ عَائِشَة مَرْفُوعًا " إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا قَيَّضَ لَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِعَامٍ مَلَكًا يَسُدُّهُ وَيُوَفِّقُهُ حَتَّى يُقَال مَاتَ بِخَيْرِ مَا كَانَ فَإِذَا حَضَرَ وَرَأَى ثَوَابَهُ اِشْتَاقَتْ نَفْسه فَذَلِكَ حِينَ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ وَأَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ شَرًّا قَيَّضَ لَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِعَامٍ شَيْطَانًا فَأَضَلَّهُ وَفَتَنَهُ حَتَّى يُقَال مَاتَ بِشَرِّ مَا كَانَ عَلَيْهِ. فَإِذَا حَضَرَ وَرَأَى مَا أُعِدَّ لَهُ مِنْ الْعَذَاب جَزِعَتْ نَفْسُهُ فَذَلِكَ حِين كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ وَكَرِهَ اللَّه لِقَاءَهُ " قَالَ الْخَطَّابِيُّ : تَضَمَّنَ حَدِيث الْبَاب مِنْ التَّفْسِير مَا فِيهِ غُنْيَة عَنْ غَيْره وَاللِّقَاء يَقَع عَلَى أَوْجُه : مِنْهَا الْمُعَايَنَة وَمِنْهَا الْبَعْث كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ ) وَمِنْهَا الْمَوْت كَقَوْلِهِ ( مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ ) وَقَوْله ( قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ) وَقَالَ اِبْن الْأَثِير فِي النِّهَايَة : الْمُرَاد بِلِقَاءِ اللَّه هُنَا الْمَصِير إِلَى الدَّار الْآخِرَة وَطَلَب مَا عِنْد اللَّه وَلَيْسَ الْغَرَض بِهِ الْمَوْت لِأَنَّ كُلًّا يَكْرَهُهُ فَمَنْ تَرَكَ الدُّنْيَا وَأَبْغَضَهَا أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ وَمَنْ آثَرَهَا وَرَكَنَ إِلَيْهَا كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَصِلُ إِلَيْهِ بِالْمَوْتِ. وَقَوْل عَائِشَة وَالْمَوْت دُون لِقَاء اللَّه يُبَيِّنُ أَنَّ الْمَوْت غَيْرُ اللِّقَاءِ وَلَكِنَّهُ مُعْتَرِضٌ دُونَ الْغَرَضِ الْمَطْلُوبِ فَيَجِبُ أَنْ يَصْبِرَ عَلَيْهِ وَيَحْتَمِلَ مَشَاقَّهُ حَتَّى يَصِل إِلَى الْفَوْزِ بِاللِّقَاءِ. قَالَ الطِّيبِيُّ : يُرِيد أَنَّ قَوْل عَائِشَة إِنَّا لَنَكْرَهُ الْمَوْت يُوهِمُ أَنَّ الْمُرَاد بِلِقَاءِ اللَّه فِي الْحَدِيث الْمَوْت وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ لِقَاء اللَّه غَيْر الْمَوْت بِدَلِيلِ قَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى " وَالْمَوْت دُونَ لِقَاءِ اللَّهِ " لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْمَوْتُ وَسِيلَةً إِلَى لِقَاء اللَّه عُبِّرَ عَنْهُ بِلِقَاءِ اللَّه وَقَدْ سَبَقَ اِبْنَ الْأَثِير إِلَى تَأْوِيل لِقَاء اللَّه بِغَيْرِ الْمَوْت الْإِمَامُ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْن سَلَّام فَقَالَ : لَيْسَ وَجْهُهُ عِنْدِي كَرَاهَةَ الْمَوْتِ وَشِدَّتَهُ لِأَنَّ هَذَا لَا يَكَاد يَخْلُو عَنْهُ أَحَدٌ وَلَكِنَّ الْمَذْمُومَ مِنْ ذَلِكَ إِيثَارُ الدُّنْيَا وَالرُّكُون إِلَيْهَا وَكَرَاهِيَةُ أَنْ يَصِير إِلَى اللَّه وَالدَّار الْآخِرَة. قَالَ : وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى عَابَ قَوْمًا بِحُبِّ الْحَيَاة فَقَالَ ( إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا ) وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَى مَحَبَّةِ الْعَبْد لِلِّقَاءِ اللَّه إِيثَارُهُ الْآخِرَةَ عَلَى الدُّنْيَا فَلَا يُحِبُّ اِسْتِمْرَارَ الْإِقَامَة فِيهَا بَلْ يَسْتَعِدُّ لِلِارْتِحَالِ عَنْهَا وَالْكَرَاهَة بِضِدِّ ذَلِكَ وَقَالَ النَّوَوِيّ : مَعْنَى الْحَدِيث أَنَّ الْمَحَبَّة وَالْكَرَاهَة الَّتِي تُعْتَبَر شَرْعًا هِيَ الَّتِي تَقَع عِنْد النَّزْعِ فِي الْحَالَة الَّتِي لَا تُقْبَلُ فِيهَا التَّوْبَةُ حَيْثُ يُكْشَفُ الْحَالُ لِلْمُحْتَضِرِ وَيَظْهَرُ لَهُ مَا هُوَ صَائِرٌ إِلَيْهِ. قَوْله ( بَشِّرْ بِعَذَابِ اللَّه وَعُقُوبَتِهِ ) فِي رِوَايَة سَعْد بْن هِشَام " بَشِّرْ بِعَذَابِ اللَّه وَسَخَطِهِ " وَفِي رِوَايَة حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس " وَإِنَّ الْكَافِرَ أَوْ الْفَاجِرَ إِذَا جَاءَهُ مَا هُوَ صَائِرٌ إِلَيْهِ مِنْ السُّوءِ أَوْ مَا يَلْقَى مِنْ الشَّرِّ إِلَخْ " وَفِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَنِ بْن أَبِي لَيْلَى نَحْو مَا مَضَى. قَوْله ( اِخْتَصَرَهُ أَبُو دَاوُدَ وَعَمْرو عَنْ شُعْبَة ) يَعْنِي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَس عَنْ عُبَادَةَ وَمَعْنَى اِخْتِصَاره أَنَّهُ اِقْتَصَرَ عَلَى أَصْل الْحَدِيث دُون قَوْله " فَقَالَتْ عَائِشَة إِلَخْ " فَأَمَّا رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ وَهُوَ الطَّيَالِسِيُّ فَوَصَلَهَا التِّرْمِذِيّ عَنْ مَحْمُود بْن غَيْلَان عَنْ أَبِي دَاوُدَ وَكَذَا وَقَعَ لَنَا بِعُلُوٍّ فِي مُسْنَدِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ وَأَمَّا رِوَايَة عَمْرو وَهُوَ اِبْن مَرْزُوقٍ فَوَصَلَهَا الطَّبَرَانِيُّ فِي " الْمُعْجَم الْكَبِير " عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ الْكَجِّيّ وَيُوسُف بْن يَعْقُوب الْقَاضِي كِلَاهُمَا عَنْ عَمْرو بْن مَرْزُوق وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر عَنْ شُعْبَة وَهُوَ عِنْد مُسْلِم مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن جَعْفَر وَهُوَ غُنْدَرٌ. قَوْله ( وَقَالَ سَعِيد عَنْ قَتَادَةَ إِلَخْ ) وَصَلَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق خَالِد بْن الْحَارِث وَمُحَمَّد بْن بَكْر كِلَاهُمَا عَنْ سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانه وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْن مَاجَهْ مِنْ رِوَايَة سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة وَوَقَعَ لَنَا بِعُلُوٍّ فِي " كِتَاب الْبَعْث " لِابْنِ أَبِي دَاوُدَ. وَفِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد غَيْر مَا تَقَدَّمَ الْبُدَاءَة بِأَهْلِ الْخَيْر فِي الذِّكْر لِشَرَفِهِمْ وَإِنْ كَانَ أَهْل الشَّرِّ أَكْثَرَ وَفِيهِ أَنَّ الْمُجَازَاةَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ فَإِنَّهُ قَابَلَ الْمَحَبَّةَ بِالْمَحَبَّةِ وَالْكَرَاهَةَ بِالْكَرَاهَةِ وَفِيهِ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَرَوْنَ رَبَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ اللِّقَاءَ أَعَمُّ مِنْ الرُّؤْيَةِ وَيَحْتَمِل عَلَى بُعْدٍ أَنْ يَكُونَ فِي قَوْله " لِقَاءَ اللَّهِ " حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ لِقَاءَ ثَوَابِ اللَّهِ وَنَحْو ذَلِكَ وَوَجْهُ الْبُعْدِ فِيهِ الْإِتْيَانُ بِمُقَابِلِهِ لِأَنَّ أَحَدًا مِنْ الْعُقَلَاءِ لَا يَكْرَهُ لِقَاءَ ثَوَابِ اللَّهِ بَلْ كُلُّ مَنْ يَكْرَهُ الْمَوْتَ إِنَّمَا يَكْرَهُهُ خَشْيَةَ أَنْ لَا يَلْقَى ثَوَابَ اللَّهِ إِمَّا لِإِبْطَائِهِ عَنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ بِالشُّغْلِ بِالتَّبَعَاتِ وَإِمَّا لِعَدَمِ دُخُولهَا أَصْلًا كَالْكَافِرِ. وَفِيهِ أَنَّ الْمُحْتَضِرَ إِذَا ظَهَرَتْ عَلَيْهِ عَلَامَاتُ السُّرُورِ كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ بُشِّرَ بِالْخَيْرِ وَكَذَا بِالْعَكْسِ. وَفِيهِ أَنَّ مَحَبَّةَ لِقَاءِ اللَّهِ لَا تَدْخُلُ فِي النَّهْيِ عَنْ تَمَنِّي الْمَوْت لِأَنَّهَا مُمْكِنَةٌ مَعَ عَدَم تَمَنِّي الْمَوْت كَأَنْ تَكُون الْمَحَبَّةُ حَاصِلَةً لَا يَفْتَرِقُ حَالُهُ فِيهَا بِحُصُولِ الْمَوْتِ وَلَا بِتَأَخُّرِهِ وَأَنَّ النَّهْي عَنْ تَمَنِّي الْمَوْت مَحْمُول عَلَى حَالَة الْحَيَاة الْمُسْتَمِرَّة وَأَمَّا عِنْد الِاحْتِضَار وَالْمُعَايَنَة فَلَا تَدْخُل تَحْت النَّهْي بَلْ هِيَ مُسْتَحَبَّة. وَفِيهِ أَنَّ فِي كَرَاهَة الْمَوْت فِي حَال الصِّحَّة تَفْصِيلًا فَمَنْ كَرِهَهُ إِيثَارًا لِلْحَيَاةِ عَلَى مَا بَعْد الْمَوْت مِنْ نَعِيمِ الْآخِرَةِ كَانَ مَذْمُومًا وَمَنْ كَرِهَهُ خَشْيَةَ أَنْ يُفْضِيَ إِلَى الْمُؤَاخَذَةِ كَأَنْ يَكُونَ مُقَصِّرًا فِي الْعَمَلِ لَمْ يَسْتَعِدَّ لَهُ بِالْأُهْبَةِ بِأَنْ يَتَخَلَّصَ مِنْ التَّبِعَاتِ وَيَقُومَ بِأَمْرِ اللَّهِ كَمَا يَجِبُ فَهُوَ مَعْذُورٌ لَكِنْ يَنْبَغِي لِمَنْ وَجَدَ ذَلِكَ أَنْ يُبَادِرَ إِلَى أَخْذِ الْأُهْبَةِ حَتَّى إِذَا حَضَرَهُ الْمَوْتُ لَا يَكْرَهُهُ بَلْ يُحِبُّهُ لِمَا يَرْجُو بَعْدَهُ مِنْ لِقَاءِ اللَّهِ تَعَالَى. وَفِيهِ أَنَّ اللَّه تَعَالَى لَا يَرَاهُ فِي الدُّنْيَا أَحَدٌ مِنْ الْأَحْيَاء وَإِنَّمَا يَقَع ذَلِكَ لِلْمُؤْمِنِينَ بَعْد الْمَوْتِ أَخْذًا مِنْ قَوْله " وَالْمَوْتُ دُونَ لِقَاءِ اللَّهِ " وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ اللِّقَاء أَعَمُّ مِنْ الرُّؤْيَةِ فَإِذَا اِنْتَفَى اللِّقَاءُ اِنْتَفَتْ الرُّؤْيَةُ وَقَدْ وَرَدَ بِأَصْرَحَ مِنْ هَذَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمِ مِنْ حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ وَفِيهِ " وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَنْ تَرَوْا رَبَّكُمْ حَتَّى تَمُوتُوا ".

Volver al hadiz

domingo, 11 de octubre de 2026 30 ربيع الآخر 1448 هـ