قَوْله : ( اِجْتَنِبُوا الْمُوبِقَات : الشِّرْك بِاَللَّهِ وَالسِّحْر ) هَكَذَا أَوْرَدَ الْحَدِيث مُخْتَصَرًا وَحَذَفَ لَفْظ الْعَدَد , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الْوَصَايَا بِلَفْظِ " اِجْتَنِبُوا السَّبْع الْمُوبِقَات " وَسَاقَ الْحَدِيث بِتَمَامِهِ , وَيَجُوز نَصْب الشِّرْك بَدَلًا مِنْ السَّبْع , وَيَجُوز الرَّفْع عَلَى الِاسْتِئْنَاف فَيَكُون خَبَر مُبْتَدَأ مَحْذُوف , وَالنُّكْتَة فِي اِقْتِصَاره عَلَى اِثْنَتَيْنِ مِنْ السَّبْع هُنَا الرَّمْز إِلَى تَأْكِيد أَمْر السِّحْر , فَظَنَّ بَعْض النَّاس أَنَّ هَذَا الْقَدْر هُوَ جُمْلَة الْحَدِيث , فَقَالَ : ذِكْر الْمُوبِقَات وَهِيَ صِيغَة جَمْع وَفَسَّرَهَا بِاثْنَتَيْنِ فَقَطْ , وَهُوَ مِنْ قَبِيل قَوْله تَعَالَى ( فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ) فَاقْتَصَرَ عَلَى اِثْنَتَيْنِ فَقَطْ , وَهَذَا عَلَى أَحَد الْأَقْوَال فِي الْآيَة , وَلَكِنْ لَيْسَ الْحَدِيث كَذَلِكَ فَإِنَّهُ فِي الْأَصْل سَبْعَة حَذَفَ الْبُخَارِيّ مِنْهَا خَمْسَة وَلَيْسَ شَأْن الْآيَة كَذَلِكَ , وَقَالَ اِبْن مَالِك : تَضَمَّنَ هَذَا الْحَدِيث حَذْف الْمَعْطُوف لِلْعِلْمِ بِهِ , فَإِنَّ تَقْدِير اِجْتَنِبُوا الْمُوبِقَات الشِّرْك بِاَللَّهِ وَالسِّحْر وَأَخَوَاتهمَا وَجَازَ الْحَذْف لِأَنَّ الْمُوبِقَات سَبْع , وَقَدْ ثَبَتَتْ فِي حَدِيث آخَر , وَاقْتَصَرَ فِي هَذَا الْحَدِيث عَلَى ثِنْتَيْنِ مِنْهَا تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُمَا أَحَقّ بِالِاجْتِنَابِ , وَيَجُوز رَفْع الشِّرْك وَالسِّحْر عَلَى تَقْدِير " مِنْهُنَّ ". قُلْت : وَظَاهِر كَلَامه يَقْتَضِي أَنَّ الْحَدِيث وَرَدَ هَكَذَا تَارَة وَتَارَة وَرَدَ بِتَمَامِهِ , وَلَيْسَ كَذَلِكَ , وَإِنَّمَا الَّذِي اِخْتَصَرَهُ الْبُخَارِيّ نَفْسه كَعَادَتِهِ فِي جَوَاز الِاقْتِصَار عَلَى بَعْض الْحَدِيث , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف فِي كِتَاب الْوَصَايَا فِي " بَاب قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَال الْيَتَامَى ظُلْمًا " عَنْ عَبْد الْعَزِيز بْن عَبْد اللَّه شَيْخه فِي هَذَا الْحَدِيث بِهَذَا الْإِسْنَاد , وَسَاقَهَا سَبْعًا فَذَكَرَ بَعْد السِّحْر وَقَتْل النَّفْس إِلَخْ , وَأَعَادَهُ فِي أَوَاخِر كِتَاب الْمُحَارَبِينَ بِهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِهِ بِتَمَامِهِ , وَأَغْفَلَ الْمِزِّيّ فِي الْأَطْرَاف " ذِكْرَ هَذَا الْمَوْضِع فِي تَرْجَمَة سَالِم أَبِي الْغَيْث عَنْ أَبِي هُرَيْرَة.