حَدِيث جُنْدُب بْن سُفْيَان أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا , وَتَقَدَّمَ فِي الذَّبَائِح مِنْ طَرِيق أَبِي عَوَانَة عَنْ الْأَسْوَد بْن قَيْس أَتَمُّ مِنْهُ وَأَوَّله " ضَحَّيْنَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَضْحَاة , فَإِذَا نَاس ذَبَحُوا ضَحَايَاهُمْ قَبْل الصَّلَاة " الْحَدِيث.
قَوْله : ( وَمَنْ لَمْ يَذْبَح فَلْيَذْبَحْ ) فِي رِوَايَة أَبِي عَوَانَة " وَمَنْ كَانَ لَمْ يَذْبَح حَتَّى صَلَّيْنَا فَلْيَذْبَحْ عَلَى اِسْم اللَّه " وَفِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ " فَلْيَذْبَحْ بِسْمِ اللَّه " أَيْ فَلْيَذْبَحْ قَائِلًا بِسْمِ اللَّه أَوْ مُسَمِّيًا , وَالْمَجْرُور مُتَعَلِّق بِمَحْذُوفٍ , وَهُوَ حَال مِنْ الضَّمِير فِي قَوْله " فَلْيَذْبَحْ " وَهَذَا أَوْلَى مَا حُمِلَ عَلَيْهِ الْحَدِيث وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيّ , وَيُؤَيِّدهُ مَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيث أَنَس " وَسَمَّى وَكَبَّرَ " وَقَالَ عِيَاض : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَعْنَاهُ فَلْيَذْبَحْ لِلَّهِ , وَالْبَاء تَجِيء بِمَعْنَى اللَّام , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَعْنَاهُ بِتَسْمِيَةِ اللَّه , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَعْنَاهُ مُتَبَرِّكًا بِاسْمِهِ كَمَا يُقَال سِرْ عَلَى بَرَكَة اللَّه , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَعْنَاهُ فَلْيَذْبَحْ بِسُنَّةِ اللَّه. قَالَ : وَأَمَّا كَرَاهَة بَعْضهمْ اِفْعَلْ كَذَا عَلَى اِسْم اللَّه لِأَنَّهُ اِسْمه عَلَى كُلّ شَيْء فَضَعِيف. قُلْت : وَيَحْتَمِل وَجْهًا خَامِسًا أَنْ يَكُون مَعْنَى قَوْله " بِسْمِ اللَّه " مُطْلَق الْإِذْن فِي الذَّبِيحَة حِينَئِذٍ , لِأَنَّ السِّيَاق يَقْتَضِي الْمَنْع قَبْل ذَلِكَ وَالْإِذْن بَعْد ذَلِكَ , كَمَا يُقَال لِلْمُسْتَأْذِنِ بِسْمِ اللَّه أَيْ اُدْخُلْ , وَقَدْ اِسْتَدَلَّ بِهَذَا الْأَمْر فِي قَوْله " فَلْيَذْبَحْ مَكَانهَا أُخْرَى " مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ الْأُضْحِيَّة , قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : صِيغَة " مَنْ " فِي قَوْله " مَنْ ذَبَحَ " صِيغَة عُمُوم فِي حَقِّ كُلّ مَنْ ذَبَحَ قَبْل أَنْ يُصَلِّي , وَقَدْ جَاءَتْ لِتَأْسِيسِ قَاعِدَة , وَتَنْزِيل صِيغَة الْعُمُوم إِذَا وَرَدَتْ لِذَلِكَ عَلَى الصُّورَة النَّادِرَة يُسْتَنْكَر , فَإِذَا بَعُدَ تَخْصِيصه بِمَنْ نَذَرَ أُضْحِيَّة مُعَيَّنَة بَقِيَ التَّرَدُّد هَلْ الْأَوْلَى حَمْله عَلَى مَنْ سَبَقَتْ لَهُ أُضْحِيَّة مُعَيَّنَة أَوْ حَمْله عَلَى اِبْتِدَاء أُضْحِيَّة مِنْ غَيْر سَبْق تَعْيِين ؟ فَعَلَى الْأَوْلَى يَكُون حُجَّة لِمَنْ قَالَ بِالْوُجُوبِ عَلَى مَنْ اِشْتَرَى الْأُضْحِيَّة كَالْمَالِكِيَّةِ , فَإِنَّ الْأُضْحِيَّة عِنْدهمْ تَجِب بِالْتِزَامِ اللِّسَان وَبِنِيَّةِ الشِّرَاء وَبِنِيَّةِ الذَّبْح , وَعَلَى الثَّانِي يَكُون لَا حُجَّة لِمَنْ أَوْجَبَ الضَّحِيَّة مُطْلَقًا , لَكِنْ حَصَلَ الِانْفِصَال مِمَّنْ لَمْ يَقُلْ بِالْوُجُوبِ بِالْأَدِلَّةِ الدَّالَّة عَلَى عَدَم الْوُجُوب فَيَكُون الْأَمْر لِلنَّدَبِ. وَاسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ اِشْتَرَطَ تَقَدُّم الذَّبْح مِنْ الْإِمَام بَعْد صَلَاته وَخُطْبَته , لِأَنَّ قَوْله " مَنْ ذَبَحَ قَبْل أَنْ يُصَلِّي فَلْيَذْبَحْ مَكَانهَا أُخْرَى " إِنَّمَا صَدَرَ مِنْهُ بَعْد صَلَاته وَخُطْبَته وَذَبْحه فَكَأَنَّهُ قَالَ : مَنْ ذَبَحَ قَبْل فِعْل هَذِهِ الْأُمُور فَلْيُعِدْ , أَيْ فَلَا يُعْتَدّ بِمَا ذَبَحَهُ. قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : وَهَذَا اِسْتِدْلَال غَيْر مُسْتَقِيم , لِمُخَالَفَتِهِ التَّقْيِيد بِلَفْظِ الصَّلَاة وَالتَّعْقِيب بِالْفَاءِ.