قَوْله : ( فَبَيْنَا أَنَا فِي حَلْقَة فِيهَا مَلَأ مِنْ قُرَيْش ) الْمَلَأ : الْأَشْرَاف , وَيُقَال أَيْضًا لِلْجَمَاعَةِ , وَالْحَلْقَة بِإِسْكَانِ اللَّام , وَحَكَى الْجَوْهَرِيّ لُغَيَّةً رَدِيئَة فِي فَتْحهَا. وَقَوْله : ( بَيْنَا أَنَا فِي حَلْقَة ) أَيْ بَيْن أَوْقَات قُعُودِي فِي الْحَلْقَة.
قَوْله : ( إِذْ جَاءَ رَجُل أَخْشَن الثِّيَاب أَخْشَن الْجَسَد أَخْشَن الْوَجْه ) هُوَ بِالْخَاءِ وَالشِّين الْمُعْجَمَتَيْنِ فِي الْأَلْفَاظ الثَّلَاثَة , وَنَقَلَهُ الْقَاضِي هَكَذَا عَنْ الْجُمْهُور , وَهُوَ مِنْ الْخُشُونَة قَالَ : وَعِنْد اِبْن الْحَذَّاء فِي الْأَخِير خَاصَّة حُسْن الْوَجْه مِنْ الْحُسْن , وَرَوَاهُ الْقَابِسِيّ فِي الْبُخَارِيّ حَسَن الشَّعْر وَالثِّيَاب وَالْهَيْئَة , مِنْ الْحُسْن , وَلِغَيْرَهِ : خَشِن مِنْ الْخُشُونَة وَهُوَ أَصْوَب.
قَوْله : ( فَقَامَ عَلَيْهِمْ ) أَيْ وَقَفَ.
قَوْله : ( عَنْ أَبِي ذَرّ قَالَ : بَشِّرْ الْكَانِزِينَ بِرَضْفٍ يُحْمَى عَلَيْهِ فِي نَار جَهَنَّم فَيُوضَع عَلَى حَلَمَة ثَدْي أَحَدهمْ حَتَّى يَخْرُج مِنْ نُغْضِ كَتِفَيْهِ وَيُوضَع عَلَى نُغْضِ كَتِفَيْهِ حَتَّى يَخْرُج مِنْ حَلَمَة ثَدْيَيْهِ يَتَزَلْزَل ) أَمَّا
قَوْله : ( بَشِّرْ الْكَانِزِينَ ) فَظَاهِره أَنَّهُ أَرَادَ الِاحْتِجَاج لِمَذْهَبِهِ فِي أَنَّ الْكَنْز كُلّ مَا فَضَلَ عَنْ حَاجَة الْإِنْسَان , هَذَا هُوَ الْمَعْرُوف مِنْ مَذْهَب أَبِي ذَرّ , وَرُوِيَ عَنْهُ غَيْره , وَالصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور أَنَّ الْكَنْز هُوَ الْمَال الَّذِي لَمْ تُؤَدَّ زَكَاته , فَأَمَّا إِذَا أُدِّيَتْ زَكَاته فَلَيْسَ بِكَنْزٍ , سَوَاء كَثُرَ أَمْ قَلَّ , وَقَالَ الْقَاضِي : الصَّحِيح أَنَّ إِنْكَاره إِنَّمَا هُوَ عَلَى السَّلَاطِين الَّذِينَ يَأْخُذُونَ لِأَنْفُسِهِمْ مِنْ بَيْت الْمَال وَلَا يُنْفِقُونَهُ فِي وُجُوهه , وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْقَاضِي بَاطِل ; لِأَنَّ السَّلَاطِين فِي زَمَنه لَمْ تَكُنْ هَذِهِ صِفَتهمْ وَلَمْ يَخُونُوا فِي بَيْت الْمَال , إِنَّمَا كَانَ فِي زَمَنه أَبُو بَكْر وَعُمَر وَعُثْمَان رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ وَتُوُفِّيَ فِي زَمَن عُثْمَان سَنَة ثِنْتَيْنِ وَثَلَاثِينَ.
قَوْله : ( بِرَضْفٍ ) هِيَ الْحِجَارَة الْمُحْمَاة. وَقَوْله : ( يُحْمَى عَلَيْهِ ) أَيْ يُوقَد عَلَيْهِ. وَفِي جَهَنَّم مَذْهَبَانِ لِأَهْلِ الْعَرَبِيَّة أَحَدهمَا : أَنَّهُ اِسْم عَجَمِيٌّ فَلَا يَنْصَرِف لِلْعُجْمَةِ وَالْعِلْمِيَّة , قَالَ الْوَاحِدِيّ : قَالَ يُونُس وَأَكْثَر النَّحْوِيِّينَ : هِيَ أَعْجَمِيَّة لَا تَنْصَرِف لِلتَّعْرِيفِ وَالْعُجْمَة , وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ اِسْم عَرَبِيّ سُمِّيَتْ بِهِ لِبُعْدِ قَعْرهَا , وَلَمْ يَنْصَرِف لِلْعِلْمِيَّةِ وَالتَّأْنِيث , قَالَ قُطْرُب عَنْ رُؤْبَة يُقَال : بِئْر جِهْنَام أَيْ بَعِيدَة الْقَعْر , وَقَالَ الْوَاحِدِيّ فِي مَوْضِع آخَر : قَالَ بَعْض أَهْل اللُّغَة : هِيَ مُشْتَقَّة مِنْ الْجُهُومَة وَهِيَ الْغِلَظ , يُقَال : جَهَنَّم الْوَجْه أَيْ غَلِيظُهُ , وَسُمِّيَتْ جَهَنَّم لِغِلَظِ أَمْرِهَا فِي الْعَذَاب. وَقَوْله : ( ثَدْي أَحَدهمْ ) فِيهِ جَوَاز اِسْتِعْمَال الثَّدْي فِي الرَّجُل وَهُوَ الصَّحِيح , وَمَنْ أَهْل اللُّغَة مَنْ أَنْكَرَهُ وَقَالَ : لَا يُقَال ثَدْي إِلَّا لِلْمَرْأَةِ , وَيُقَال فِي الرَّجُل : ثُنْدُؤَةٌ , وَقَدْ سَبَقَ بَيَان هَذَا مَبْسُوطًا فِي كِتَاب الْإِيمَان فِي حَدِيث الرَّجُل الَّذِي قَتَلَ نَفْسه بِسَيْفِهِ فَجَعَلَ ذُبَابَهُ بَيْن ثَدْيَيْهِ , وَسَبَقَ أَنَّ الثَّدْي يُذَكَّر وَيُؤَنَّث.
قَوْله : ( نُغْض كَتِفَيْهِ ) هُوَ بِضَمِّ النُّون وَإِسْكَان الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَبَعْدهَا ضَاد مُعْجَمَة , وَهُوَ الْعَظْم الرَّقِيق الَّذِي عَلَى طَرَف الْكَتِف , وَقِيلَ : هُوَ أَعْلَى الْكَتِف , وَيُقَال لَهُ أَيْضًا : النَّاغِض. وَقَوْله : ( يَتَزَلْزَل ) أَيْ يَتَحَرَّك , قَالَ الْقَاضِي : قِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ بِسَبَبِ نُضْجه يَتَحَرَّك لِكَوْنِهِ يَهْتَرِي , قَالَ : وَالصَّوَاب أَنَّ الْحَرَكَة وَالتَّزَلْزُل إِنَّمَا هُوَ لِلرَّضْفِ , أَيْ يَتَحَرَّك مِنْ نُغْض كَتِفه حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ حَلَمَة ثَدْيه. وَوَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ ( عَلَى حَلَمَة ثَدْي أَحَدهمْ إِلَى
قَوْله : حَتَّى يَخْرُج مِنْ حَلَمَة ثَدْيَيْهِ ). بِإِفْرَادِ الثَّدْي فِي الْأَوَّل , وَتَثْنِيَته فِي الثَّانِي , وَكِلَاهُمَا صَحِيح.
قَوْله : ( لَا تَعْتَرِيهِمْ ) أَيْ تَأْتِيهِمْ وَتَطْلُب مِنْهُمْ , يُقَال : عَرَوْته وَاعْتَرَيْته وَاعْتَرَرْته إِذَا أَتَيْته تَطْلُب مِنْهُ حَاجَة.
قَوْله : ( لَا أَسْأَلُهُمْ عَنْ دُنْيَا وَلَا أَسْتَفْتِيهِمْ عَنْ دِين ) هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُول ( عَنْ دُنْيَا ) , وَفِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ : " لَا أَسْأَلُهُمْ دُنْيَا " بِحَذْفِ ( عَنْ ) وَهُوَ الْأَجْوَد. أَيْ لَا أَسْأَلهُمْ شَيْئًا مِنْ مَتَاعهَا.