قَوْله : ( حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَة ) هُوَ بِالْجِيمِ بِصِيغَةِ التَّصْغِيرِ وَهُوَ اِبْن أَسْمَاء الضُّبَعِيُّ وَاتَّفَقَ أَنَّ اِسْمَهُ وَاسْم أَبِيهِ مِنْ الْأَعْلَامِ الْمُشْتَرَكَة بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ. وَقَدْ سَمِعَ جُوَيْرِيَة الْمَذْكُور مِنْ نَافِع , وَرَوَى أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ عَنْهُ.
قَوْله : ( كُنْت أَوَّلَ النَّاسِ ) كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَكَرِيمَةَ , وَفِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيّ وَابْن عَسَاكِر " وَكُنْت " بِزِيَادَة وَاو فِي أَوَّلِهِ وَهِيَ أَشْبَهُ وَرَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَقَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ ثُمَّ خَرَجَ " وَدَخَلَ عَبْد اللَّه عَلَى أَثَرِهِ أَوَّل النَّاسِ ".
قَوْله : ( بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْمُقَدَّمَيْنِ ) فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ " الْمُتَقَدِّمَيْنِ " كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ , وَفِي رِوَايَةِ مَالِك الَّتِي تَلِيهَا " جَعَلَ عَمُودًا عَنْ يَسَاره وَعَمُودًا عَنْ يَمِينِهِ وَثَلَاثَةُ أَعْمِدَةٍ وَرَاءَهُ " , وَلَيْسَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ مُخَالَفَة لَكِنَّ قَوْلَهُ فِي رِوَايَةِ مَالِك " وَكَانَ الْبَيْت يَوْمَئِذٍ عَلَى سِتَّةِ أَعْمِدَة " مُشْكِل ; لِأَنَّهُ يُشْعِرُ بِكَوْنِ مَا عَنْ يَمِينِهِ أَوْ يَسَارِهِ كَانَ اِثْنَيْنِ وَلِهَذَا عَقَّبَهُ الْبُخَارِيّ بِرِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ الَّتِي قَالَ فِيهَا " عَمُودَيْنِ عَنْ يَمِينِهِ " , وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنَّهُ حَيْثُ ثَنَّى أَشَارَ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ الْبَيْت فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَحَيْثُ أَفْرَدَ أَشَارَ إِلَى مَا صَارَ إِلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَيُرْشِدُ إِلَى ذَلِكَ قَوْله " وَكَانَ الْبَيْت يَوْمَئِذٍ " ; لِأَنَّ فِيهِ إِشْعَارًا بِأَنَّهُ تَغَيَّرَ عَنْ هَيْئَتِهِ الْأُولَى. وَقَالَ الْكَرْمَانِيّ : لَفَظَ الْعَمُود جِنْسٌ يَحْتَمِلُ الْوَاحِد وَالِاثْنَيْنِ , فَهُوَ مُجْمَلٌ بَيَّنَتْهُ رِوَايَة " وَعَمُودَيْنِ " , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ : لَمْ تَكُنْ الْأَعْمِدَة الثَّلَاثَة عَلَى سَمْتٍ وَاحِدٍ بَلْ اِثْنَانِ عَلَى سَمْت وَالثَّالِث عَلَى غَيْرِ سَمْتِهِمَا , وَلَفْظ " الْمُقَدَّمَيْنِ " فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ مُشْعِر بِهِ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قُلْت : وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا رِوَايَة مُجَاهِدٍ عَنْ اِبْن عُمَر الَّتِي تَقَدَّمَتْ فِي " بَاب : وَاِتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى " فَإِنَّ فِيهَا " بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ عَلَى يَسَارِ الدَّاخِلِ " وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ كَانَ هُنَاكَ عَمُودَانِ عَلَى الْيَسَارِ وَأَنَّهُ صَلَّى بَيْنَهُمَا , فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ ثَمَّ عَمُود آخَر عَنْ الْيَمِينِ لَكِنَّهُ بَعِيدٌ أَوْ عَلَى غَيْرِ سَمْت الْعَمُودَيْنِ فَيَصِحُّ قَوْلُ مَنْ قَالَ " جَعَلَ عَنْ يَمِينِهِ عَمُودَيْنِ " وَقَوْل مَنْ قَالَ " جَعَلَ عَمُودًا عَنْ يَمِينِهِ ". وَجَوَّزَ الْكَرْمَانِيّ اِحْتِمَالًا آخَرَ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ ثَلَاثَة أَعْمِدَة مُصْطَفَّةً فَصَلَّى إِلَى جَنْب الْأَوْسَط , فَمَنْ قَالَ جَعَلَ عَمُودًا عَنْ يَمِينه وَعَمُودًا عَنْ يَسَارِهِ لَمْ يَعْتَبِرْ الَّذِي صَلَّى إِلَى جَنْبِهِ وَمَنْ قَالَ عَمُودَيْنِ اِعْتَبَرَهُ. ثُمَّ وَجَدْتُهُ مَسْبُوقًا بِهَذَا الِاحْتِمَالِ , وَأَبْعَد مِنْهُ قَوْل مَنْ قَالَ : اِنْتَقَلَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَان , وَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِذَلِكَ لِقِلَّتِهِ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ.